صحيفة بانوراما اليوم

ما بعد "كورونا": "رؤية 2030" ضرورة وليست خياراً

الكاتب / يوسف الديني

إذا كانت «العدالة» وملاحقة الفساد أساسَي الدولة في جمهورية أفلاطون، حيث وظيفة الدولة تحقيق أكبر قدر من الانسجام والتناغم بين مكونات المجتمع؛ فإن وظيفتها الأساسية عند ابن خلدون هي تحقيق أغراض تعود بالنفع على الجماعة البشرية الواحدة؛ لذلك هي أسمى ائتلاف بحسب التعبير الشهير لأرسطو.

بين هذه المسارات الفلسفية لمفهوم قوة الدول وبقائها ينتظر السعوديون تحولات عظيمة ما بعد انكفاء العالم بسبب جائحة «كورونا» وغياب الاستقرار عن عدد كبير من دول المنطقة. السعوديون وهم يترقبون تسعين عاماً من نشأة هذه الدولة الفتية مدججون الآن من دون أي وقت مضى بأحلام عريضة وضع ملامحها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي التقط تلك المسارات في مشروعه للنهوض بالسعودية الجديدة، وبناء مملكة تواكب التحولات السريعة في منطقة تحيط بها التحديات المحدقة على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني.
الجديد في «الرؤية السعودية» هو أنها تجاوزت الفصل بين التنمية الاقتصادية ودوافعها الفكرية وقاعدتها السياسية والثقافية؛ في الرؤية الجديدة التي أطلقت عدداً من المشاريع التنموية لم تنبت كأطروحات مالية أو تحليلات اقتصادية مفرغة من سياقاتها الفكرية، بل تمت إضافة «المعنى» إليها في سابقة سعودية، حيث كانت تعتمد الخطط التنموية على التمحور حول الاقتصاد وتسريع عجلته مع البقاء في السياق التحديثي في إطاره المحافظ وحدّه الأدنى الذي لم يعد صالحاً للتكرار في ظل المعطيات الجديدة؛ أجيال شابة وطموحات كبيرة واقتصاد السوق العالمية، ودخول مجموعات كبيرة من الشباب والفتيات من المواطنين إلى سوق العمل قادمين من تجارب ابتعاث ومسلحين بأحدث ما وصلت إليه الجامعات العالمية من معارف وتطبيقات حديثة.

 

مملكة التفاصيل الصغيرة من مكافحة الفساد إلى مشاريع عملاقة إلى تمكين المرأة، وصولاً إلى إعادة تعريف للكسب وحياة الرفاه والاهتمام بالثقافة والفن والعودة بمجتمع تغيّب عن أسلوب حياة عصرية لعقود كانت بحسب الأمير الشاب استثناءً لا يعكس الصورة التي يجب أن تكون عليها السعودية الجديدة التي تهيمن الدماء الشابة على النسبة الأكبر من وقودها في قطار المستقبل السريع الذي لا يحتمل الانتظار.

تمضي السعودية بخطوات وثّابة نحو تدعيم رؤيتها إلى المستقبل، بعد أن دشنت «رؤيتها 2030» إطاراً تنموياً للمستقبل ينأى بها عن الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً في فلسفتها الاقتصادية التي تقوم اليوم على تنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الإنسان السعودي، خصوصاً جيل الشباب الذين يشكّلون قوتها والنسبة الأكبر من سكانها.

الصعود السياسي للسعودية والرغبة في صعود اقتصادي وتنموي مماثل في ظل تطور الأحداث في المنطقة، له دوافعه، كاضطراب أسواق النفط وتراجعها الذي ألقى بظلاله على التحديات الاقتصادية التي يتم التعامل معها في «الرؤية السعودية» وفق استراتيجيات قائمة على سياسات متزنة تجاه التقلبات النفطية من خلال المساهمة في تصحيح الأسعار، والتعامل مع تفاعلات سوق الطاقة في المدى القصير، ورسم رؤية على المدى الطويل تهدف إلى الدفاع عن الأسعار في الأوقات الصعبة والتعامل مع الإنتاج والحصة السوقية بتوازن.

وخلال التحولات الهائلة اليوم في عالم مضطرب يترشح استمرار الصعود السعودي على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني بزيادة دور السعودية، لا سيما مع إخفاق المجتمع الدولي في عقلنة تهور حلف الأزمات بقيادة دولة الملالي ونظام طهران، وشره إردوغان التوسعي، وإصرار نظام الدوحة على الانسلاخ من الذات وعناد الجغرافيا والتحول إلى بوق إعلامي وصوت نشاز لا يطرب سوى المؤدلجين.

في السعودية الجديدة تم طي صفحة مهمة من الوصاية التي دشنها الفكر المتطرف، منذ ترسخ مفهوم الدولة ومؤسساتها، عبر انحيازه لمربع المعارضة لمسيرة التنمية والتطور، بشعارات آيديولوجية ذات صبغة دينية متشددة، واليوم يقطف السعوديون ثمرة تحولات ورضات كلفتهم الكثير، إلا أن المآلات ذات الكُلفات الثمينة عادة ما تثمر رغبة ملحة في القطيعة مع مرحلة صعود الإسلام السياسي في المنطقة، وليس في الخليج أو السعودية، وتحوله إلى مشروع «دولة داخل الدولة».

سكان العالم العربي نحو 400 مليون، ونسبة الشباب دون سن الـ25 عاماً تعادل 70 في المائة، والذين يستخدمون الإنترنت من مجمل الشباب نحو 84 في المائة، منهم من يمكث على الشبكة أكثر من خمس ساعات يومياً، ونسبتهم تزيد على 40 في المائة. ولك أن تتخيل أن «محتوى» ما يتم تداوله الآن في أجواء الأزمات هو محتوى بالدرجة الأولى متطرف فكرياً، بعد أن كان في سنوات مضت محتوى متطرفاً دينياً، فمرحلة انحسار الصحوة الدينية وصولاً إلى ما بعد 11 سبتمبر (أيلول)، وأحداث الإرهاب والتطرف التي عاشتها المنطقة، كانت الذروة في إنتاج خطابات متطرفة دينياً، استبدلت بالتفكير التكفير، ثم جاءت الثورات بما حملته من «نقمة» شبابية على الأوضاع المزرية، فاستبدلت بخطابات التطرف الديني خطابات تطرف فكري وسياسي بالأدوات نفسها، ويا للغرابة، حتى من المصادر نفسها! على سبيل المثال، يمكن أن نلحظ انزياح خطابات الحاكمية والخلافة لصالح شعارات جديدة مفرغة من جوهرها، كالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتعددية السياسية، التي يتم التعامل معها وفق منطق الإقصاء والطرح الشمولي بالدرجة نفسها؛ لكن عكس الاتجاه، فالخلط الذي كان يمس قضايا ومفاهيم تتصل بـ«دار الإسلام»، والموقف من الآخر، والولاء والبراء، تم استبدال مفاهيم مدنية بها؛ لكن بمضامين متطرفة، كالنضال السلمي والحقوقي، ومفاهيم الاعتصام والشرعية... إلخ.

للأعلى