صحيفة بانوراما اليوم

حكايا السعودية الجديدة ..

الكاتب / حسن المصطفى

تخرجُ من منزلها في جزيرة تاروت، شرق السعودية، حيث القلعة التاريخية، الشاهدة على إرث المنطقة؛ ذلك الصرحُ الأثري الذي وصفهُ وزير الثقافة السعودية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، بأنه "كنزٌ مِن أرضِ الكنوزِ الثقافية". تأخذ الجسر الذي يصل الجزيرة المشهورة بأسماكها وفنانيها، نحو القطيف، ومنها إلى الطريق السريع الذي يربط الدمام بالعاصمة الرياض؛ تحملُ معها شغفها، محبتها للمنتظرين على ضفاف الأمل، من يجدون في الفن والرسم طريقاً للتغيير، ونافذة يطلون من خلالها على مستقبل يريدونه أكثر بهجة ونجاحاً، كي يوصدوا خلفهم الأبواب القديمة، لتجارب أثقلت كواهلهم.

تجتاز البوابات المتتالية، تلك الزائرة التي لا تجيد سوا حمل فرشاتها والألوان، وتدخل على مهلٍ مبتسمة متجهة نحو الصالة الرياضية. هنالك مجموعة من الشبان، ينتظرونها، فالكثير من العمل الممزوج بالهمة العالية، يجب أن يُنجز. تبدأ كريمة المسيري ورشتها، مع نحو 35 شخصاً، هم عماد فريقٍ مَنحَ محافظة القطيف بهجة الاحتفال بالعيد الوطني السعودي الـ89، العام الفائت 2019، بعد أن أكملوا إعداد نحو 22 ألف قطعة، زينت أعلامها شوارع المحافظة، وصبغتها بأخضر اللون. لم يكن الأمر هذا وحسب، بل أعد هؤلاء الشبانُ علماً ضخماً، كان حديث وسائل الإعلام السعودية، بعد أن عُلق على صارية تعانق السماء في مدينة سيهات، قرب بحر الخليج، الذي طالما كان، وسيبقى "خليجَ الدُرِ والمحار".

لقرابة 12 يوماً، كانت المسيري، تحثُ المسير نحو عملٍ غير اعتيادي، مدفوعة بالمحبة لأهلها ووطنها، خصوصاً أن الفريق الذي تتعامل معه له خصوصيته، فجميع من اشتغل على إعداد آلاف البيارق المشعة، هم من المواطنين الموقوفون في سجن المباحث العامة بالمنطقة الشرقية، على خلفية الأحداث التي شهدتها المنطقة العام 2011، وما تلاها من أعمال عنفٍ، تطورت لمواجهات مسلحة، وعملياتٍ إرهابية. الفنانة التشكيلية كريمة المسيري، وبعد أن أشرفت على تدريب الشباب داخل السجن، وتم إنجاز الأعلام، انتقلت إلى المرحلة الثانية، وهي توزيع ما تم طباعته على المدن والشوارع، وكان سندها في ذلك نحو عشرين شاباً ممن تم إطلاق سراحهم، واستفادوا من برنامج "بناء" الخاص برعاية وتأهيل الموقوفين في سجن المباحث العامة في الدمام.

كان مشهداً مهيباً، يشعرك بالفخر بهؤلاء الفتية الذين استطاعوا أن يتجاوزا تجاربهم السابقة، أن يخرجوا من الماضيٍ، ويعانقوا الحياة بقوة وإرادة وقناعة وفرح وروح وطنية عالية. كانوا متحلقين كَمَن عاهَدَ الوطن بقلبه وعقله، متراصين، وهم يعملون دون كلل. ابتسامات لا تخطئها عين. هؤلاء لم يجبرهم أحد على التطوع، لم يوعدوا بشيء، ولم يهددوا بأي شيء. هم إذن أسياد أنفسهم، عشاقُ وطنهم، من يريدون المساهمة بجد في عملية الإصلاح والتغيير، وصناعة دولة مدنية حديثة وقوية، يسودها القانون، ويكون فيها جميع المواطنين سواسية، محافظين على كيانِ الدولة وأمنها وسلمها واستقرارها. مواطنون عليهم ما عليهم من واجبات، ولهم حقوق متساوية. هي ذي روح السعودية الجديدة، وهذا ما يدعو إلى الفخر والأمل، بعيدا عن السلبية الباردة التي تخنق البعض، أو التملق السمج الذي لا يجدي نفعاً! هذا العام، هنالك ظرفٌ صحيٌ خاص، فيروس كوفيد-19، لا يزال دون لقاحٍ نهائي، ولذا، الاشتراطات الصحية يجب أن تتبع، إنما ذلك لا يعني أن تطفئ الشمس سراجها.

"بألواني أرسم وطني"، فعالية احتفاليةٌ باليوم الوطني السعودي الـ90، بالشراكة بين بلدية محافظة القطيف، وبرنامح الرعاية والتأهيل "بناء"، كانت الفنانة التشكيلية كريمة المسيري حاضرة فيها، مع عدد من الشباب المُطلق سراحهم، عبر مشاركات سبرانية. هذا الجهد المبذول في العام الفائت، وهذه السنة، ليس عملاً فردياً، بل جهدٌ جماعي، لفريق من الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين العاملين في برنامج "بناء"، والفريق المختص في جهاز "أمن الدولة"، الذي أثمر هذه الشراكة بين المجتمع الأهلي والمؤسسات الحكومية. هذه إحدى حكايا السعودية الجديدة التي يجب أن تروى، لأنها تقول الشيء الكثير عن التغير الذي يجري يومياً، والنظرة لتطوير الأداء، وترسيخ ثقافة الشراكة، وطُرقٍ مختلفة لعلاج مشكلات أمنية واجتماعية، بأساليب لم تكن مطروقة محلياً من قبل. النجاحات التي تتحقق يجب أن تراكم ويبنى عليها، وأن لا يكتفى بما أُنجز، بحيث تعزز الإيجابيات ويتم تلافي السلبيات، لأن الشعور بالامتلاء أو الوصول إلى القمة، شعورٌ خطير، تضليلي، ففي تاريخ الدُول ليس ثمة قممٌ نهائية، "لتركبن طبقاً عن طبق"، هو دربٌ فيه الكثير من التجارب، النجاحات والخيبات، المنعرجات والسهول، الحفر السحيقة وبركُ الماء الصافية، وأيضاً الخطأ والصواب، الدموع والفرح، السماء الصافية والأخرى الملبدة بالغيوم! ما يجب أن يدفعُنا إلى التفاؤل، هو أن السفينة تسيرُ بثباتٍ وإصرارٍ نحو الوجهة الصحيحة، رغم أن الأمواج عاتية، والرياح شديدة، والقراصنةُ كُثر، إلا أن السعوديين لا يريدون العودة إلى الوراء، يودون أن يكون لهم موطأ قدم بين الأمم المتحضرة، بالعلم، والتقنية، والابتكار، وترسيخ قيم السلم الأهلي والعدالة والتنمية واحترام حقوق الإنسان، وهي قيمٌ تمثلُ جوهر الإنسانية الحديثة، التي لن يقبل السعوديون إلا أن يكونوا جزء منها، لا خارج سياقها.

للأعلى