تفاصيل الخبر

الجزائر وفرصة الخروج من الريع

يشهد سوق الطّاقة العالمي، أخيرا، حركية غير معهودة منذ قرابة سبعة أعوام، حيث ارتفعت أسعار الغاز والنّفط إلى مستوياتٍ تنذر بعودة المنحنى التّصاعدي إلى نهاية العقد الأول من الألفية الثّالثة، عندما ارتقت تلك الأسعار، بالنسبة للنّفط، إلى مستوى 150 دولارا للبرميل. يشكّل هذا الانتعاش مشكلة وفرصة، في آن واحد، للجزائر، لأنه قد يكون، وفق تقديرات الخبراء، مدخلا للخروج من العجز وتفادي اللجوء إلى المديونية الخارجية بالارتكاز، من جديد، على الرّيع. ولكنه، للمفارقة، فرصة لتمويل ابتكاري يضع البلاد على سكّة التنمية الحقيقية.

ارتكزت الجزائر، دوما، لبناء فكرها التّنموي على الريع الطّاقوي، وفي هذا لم تلجأ إلى وسائل التّمويل التي تضمن الخروج من دائرة الاعتماد عليه، بل دعّمت البقاء فيه واستخدمته سياسيا، بصفة خاصّة، ليأتي الوقت الذي نسمع فيه نداءات الخبراء، منذ عقود، بوجوب التفكير في بدائل تتيح الإقلاع الاقتصادي، من دون جدوى، لأسبابٍ تعود إلى خيارات غير ذات جدوى، بدأت بالصناعات المصنعة، والتخلي عن الزراعة، واعتماد مبدأ شراء السّلم الاجتماعي، وكلها خيارات لا تبرز كفاءة في التّخطيط، ولا سياسة عامة مجدية في التّفكير الاقتصادي الحقيقي.

 

السلطات المتعاقبة فضّلت سياسة الجمود، لنشهد، حاليا تبخّر مخزون الاحتياطي من النّقد الأجنبي

 

أدّت تلك الخيارات إلى بقاء البلاد في دوّامة الرّيع الاقتصادي، وشجّعت الاستيراد بدلا من الاعتماد على الإنتاج، لتوفّر الموارد المالية. وعلى الرّغم من وقوع البلاد، في ثمانينيات القرن الماضي ثم في تسعينياته، في مشكلات مالية عميقة، إلا أنها فضّلت المحافظة على تلك السياسة، وضيّعت الفرصة تلو الأخرى، بتوفّر موارد ضخمة في أعقاب الطّفرة النّفطية الأولى (نهاية سبعينيات القرن الماضي)، ثمّ الطّفرة النّفطية الثانية (بين 2005 و2013)، لتجسيد خياراتٍ بديلةٍ، دعا إليها خبراء اقتصاديون، حذّروا من أن الفرص توجد للاغتنام، والفشل يختفي بالتعلّم، إلّا أنّ السلطات المتعاقبة، خصوصا في أثناء حكم الرئيس الرّاحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، أبت إلا أن تُبقي دار لقمان على حالها، مفضّلة سياسة الجمود، لنشهد، حاليا، مع إشكالاتٍ عميقة، تضافرت فيها عوامل ارتفاع عدد السّكان (قرابة 45 مليون نسمة)، تبخّر مخزون الاحتياطي من النّقد الأجنبي (من 200 مليار دولار في 2013 إلى قرابة 45 مليار دولار حاليا)، ارتفاع نسبة البطالة، خصوصا بين فئة الشباب وحاملي الشّهادات العليا، وكلّها عوامل، من بين أخرى، يمكنها أن تستنفد موارد الدّولة المالية، إن لم يعرف صانع القرار كيفية الاستفادة من فرصة عودة منحنى أسعار تلك الموارد الطّاقوية إلى الارتفاع، ولكن، هذه المرّة، بكفاءة وبتخطيط لخدمة مشروع طموح، هو "الجزائر بلد ناشئ في 2030".

لنكن واقعيين، ولنذكر مخاطر الإبقاء على الحال على ما هو عليه، الآن، أي إمكانية الاستفادة من موارد مالية إضافية، لتمويل ظرفي للاحتياجات الاقتصادية بأهداف سياسية، وليس اقتصادية هيكلية، حيث هناك ثلاثة مخاطر: شبح اللّجوء إلى المديونية الخارجية، مع إنذارات المؤسّسات المالية الدولية بأنّ مؤشّرات الاقتصاد الجزائري، تقريبا، كلّها، دون مستوى الكفاءة والنّجاعة، تعمّق الإشكالات الاجتماعية وتداعياتها على الاستقرار السياسي (ارتفاع نسبة البطالة واحتمال رفع الدعم عن الموارد الأساسية)، وعدم التمكّن من رفع تحدّي التمويل لعمليات تأمين الحدود مع ارتفاع وتيرة عدم الاستقرار في الجوارين المغاربي (المشكلات مع المغرب، هشاشة العملية الديمقراطية في تونس، واحتمالات بقاء الوضع المتأزّم في ليبيا)، والسّاحلي - الصّحراوي (الوضع في مالي مع فشل "عملية برخان" الفرنسية، واحتمال انسحاب جزء من الجيش الفرنسي المتمركز هناك ودخول مليشيات "فاغنر" لملء الفراغ)، وهي مخاطر، كما نرى، ذات تأثير عميق، وتحتاج منّا إلى تفكير ملي وتوافقي، يتعلم الجزائريون، من خلاله، من دروس الفشل السابق، للانطلاق نحو المستقبل بخطة واضحة المعالم.

 

يمكن الاعتماد على الطّاقة الآيلة للضمور (النفط والغاز)، لتمويل تنمية مرتكزة على الطاقة البديلة

 

تحتاج الجزائر للقضاء على تلك المخاطر إلى ترديد أنّ الرّيع الاقتصادي فرصة، وليس استراتيجية تتخذّها وسيلة للانطلاق نحو ثلاثية الكفاءة والإبداع والابتكار، وهي متوفّرة، حقيقة، لوجود إمكانات ضخمة غير مستغلّة في بلد ما زالت مساحات كثيرة فيه دون الاستغلال الجيد وعلى المستويات كافة.

يمكن، هذه المرّة، الاعتماد على الطّاقة الآيلة للضمور (النفط والغاز)، لتمويل تنمية مرتكزة على الطاقة البديلة، بإعادة إحياء مشروع "ديزارتاك" لتوليد الطّاقة الشمسية وتصديرها نحو أوروبا التي تعيش على وقع معارك سياسية كبيرة، بسبب إرادة الاتجاه نحو إقرار ما تسمّى سياسات الانتقال الطاقوي، وهو مشروع كانت ألمانيا قد عرضته على الجزائر، وتمّ رفضه، على الرغم من أنّه بديل حقيقي للريع النفطي، مع احتمال أن يكون هو القاطرة للاستثمار المبدع في خيرات الصحراء الكبرى (قرابة مائة مليون هكتار من الأراضي)، للانطلاق في أكبر فكرة تخدم السّاكنة والأرض، باستغلال الطّاقة البديلة والتكنولوجيا الرقمية بمنح قطع أرضية واسعة، والاعتماد على الأقمار الصناعية والطّائرات من دون طيار، في مراقبة الإنتاج الزراعي، مع توفير أدوات الاستغلال، خصوصا منها الماء والكهرباء، ما قد يقلّص إشكالية فراغ الصّحراء من السّاكنة، وينقص، بالتّالي، أعباء أمنية ضخمة على الدّولة الجزائرية في التّعامل مع مناطق شاسعة من دون إشغالٍ قد تتخّذ ملاذات للجماعات الإرهابية والجماعات الإجرامية.

هناك، هذه المرّة، أيضا، مع توفر الاقتصاد الذكي، فرصةٌ للذهاب بعيدا في الاستثمار في البحث العلمي، وتوفير التمويل له، خصوصا مع بروز طاقات بشرية علمية أكيدة في أوساط الباحثين الجامعيين الشّباب، لاستغلال الطّفرة التكنولوجية الحالية، ما قد يقلّص من الاعتماد على الخارج في قطاعاتٍ كثيرة، ويوفّر، بذكاء وكفاءة، فرص جذب لتلك الفئة للبقاء في البلاد وعدم التفكير في الهجرة وإهدار طاقات هائلة وتكوين غالي الثمن، يذهب بالمجّان نحو بلدان متقدّمة.

 

عند التفكير الابتكاري والمبدع تزول كل إمكانات التحايل لنهب المال العام

 

وهناك، مع توفّر هذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة، إمكانية للقضاء، نهائيا، على الفساد الذي استغل فرصة توفّر ذلك المال، لينهب خيرات البلاد بمشاريع غير مجدية، ضيّعت على الجزائر مئات مليارات الدولارات دونما تداعيات على التّنمية، حيث إنه عند التفكير الابتكاري والمبدع تزول كل إمكانات التحايل لنهب المال العام. وقد تكون هذه الفرصة دعوةً إلى تغيير حقيقي لمبدأ التّعامل مع الكفاءة، لتكون هي المدخل الحقيقي للتعيين والاستفادة من المال العام، بتوجيهه نحو الوجهات المجدية والمفيدة، والتي جيء أعلاه على ذكر بعضها ممّا اقترحته أفكار جزائريين كثيرين، للأسف، يعملون في أرقى الجامعات وتستفيد منهم مؤسسات لم تنفق على تعليمهم فلسا واحدا، وكون هجرتهم، تلك، هي تعبير عن غياب الكفاءة والإصرار على إهدار المال العام وتضييع الفرص، الواحدة تلو الأخرى، بالبقاء في الرّيع الطاقوى دون غيره من البدائل والخيارات المتاحة.

هذه هي المقاربة الأكثر كفاءة في التفكير المستقبلي في كيفية استغلال فرصة اتجاه منحنى أسعار الطاقة للارتفاع فترة قد تطول لبعض الأعوام، بسبب عودة الانتعاش في الفترة التالية للجائحة، ولكنها فرصة، كما قال الرّئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤقّتة، بسبب أنّ هناك إمكانات مالية ضخمة تُستثمر في التّوجّه نحو سياسات الانتقال الطاقوي، ما قد يقلص تلك الفترة، لتصبح دعوتنا إلى الابتكار أكثر إلحاحا للخروج من دائرة الرّيع الطاقوي، والتوجه نحو اقتصاد ناشئ تمتلك الجزائر كل ما يمكّنها من الوصول إليه، لكن بعوامل الكفاءة، الذكاء والتخطيط.. ليس إلّا.