تفاصيل الخبر

تونس مملكة الهلوسة والرعب؟

بإمكان الناس أن يمنحوا ثقتهم لغيرهم أو يسحبوها وفق السياقات والوضعيات الخاصة بهم، غير أنّه يستحيل ألّا يثقوا دوماً بغيرهم، وإذا حدث ذلك، عليهم ألّا يبرحوا أفرشتهم.

بدأنا في تونس، منذ مدة، ندخل هذه الحالة المعمّمة من الهلوسة والرعب، كما يصفها لومان ذاته، وهي حالة تختلف تماماً عن الحذر أو الشك أو الارتياب، فحتى في هذه الحالات نظل دوماً مشدودين إلى الثقة، نداويها ونعالجها، على أمل إنقاذها، فبلا شك نحرص عادة على أن نعيد بناء الثقة أو تجديدها، أما الرعب والهلوسة فلا شافي منهما، إنّهما قاتلان مدمّران.

وقد تستفحل الحالة أيضاً، وبسرعة عجيبة، إن لم نتدارك. ندرك جيداً أنّ الناس، في حالات الفترات الانتقالية الحادّة، يصابون بالتشكيك في ماضيهم وقادتهم، فيعمدون إلى عدم تصديق ما كان سائداً سابقاً. يضعون كلّ شيء في سلة كبيرة من عدم الثقة والإنكار، حتى الحقائق الراسخة والبديهيات الصلبة تغدو وهماً وسراباً مريراً. يتم تفتيت هذه الثوابت، من أجل إيجاد جغرافيا جديدة للحقيقة، تشيّدها سردياتٌ مُحدثة، تقع خارج تراب الآخرين، سواء من حكموا أو عارضوا. في هذه الصحراء الفريدة، يتم استنبات حقائق أخرى، لا صلة لها بما هو سابق، أو هكذا يتوهم مقاولو "الفترة الجيدة"، خصوصاً إذا كانوا يزعمون أنهم يصحّحون ما سبق، بل يبنون على أنقاضه مملكة الحقيقة والخير الأسمى السعيد.

 

معجم الرئيس قيس سعيّد ثري، لوصم الماضي وجعله شرّاً محضاً. لذا يسحب الثقة من الدستور والبرلمان

 

ينشط السيد رئيس الجمهورية، منذ سنوات، في إدراك هذه المنطقة العازلة التي ستؤدّي تماماً إلى صحراء اليقين، إذ يزرع غابة حقائقه وحيداً. يبدأ بزرع الشك رويداً رويداً، ثم يحرق ما بدت له أكاذيب وأخطاء وأوهاماً. معجم الرئيس قيس سعيّد ثري، لوصم الماضي وجعله شرّاً محضاً. لذا يسحب الثقة من الدستور والبرلمان والهيئة العليا لمقاومة الفساد والنخب والأحزاب والمجلس الأعلى للقضاء والقضاة والمدرسة، والقائمة طويلة... كلّ هذه البناءات والهياكل والمؤسسات ينخرها الفساد، وهي لا تصلح أصلاً. مقابل هذا، الوحيد الجدير بالثقة هو سيادته. كلّ هؤلاء خونة وفاقدو الوطنية ومجرمون ولصوص... إلخ.

باحثاً عن حجج ومبررات لكلّ هذه الحروب التي يشنّها على الماضي القريب، يعود الرئيس إلى أشياء عديدة من دون تمييز أو تمحيص، حتى يطمس ما راكمته البلاد خلال العشرية الفارطة، على تعثره وارتباكه وما شابه من أعطاب بليغة: ملفات قضائية لم تبتّ فيها المحاكم بعد، تدوينات فيسبوكية أوقعته مرّات عددية في أخطاء كارثية ومحرجة، على غرار تباهيه بأنّ عدد أنصاره تجاوز مليوناً وثمانمائة ألف في إحدى التظاهرات المؤيدة له، والحال أنّها كانت تلاعباً مفضوحاً حتى للهواة من أحد المواقع الإلكترونية المنتحلة... إلخ. تقارير أمنية لا أحد يدري خلفية وجهتها والمصالح التي تكون وراءها. الأنكى من هذا كلّه أنّه لا يستمع إلى محيطه، وحتى من اجتباهم من مستشاريه، لا يجرؤ أحدٌ على تنسيب قوله.

 

سحب الثقة وتبديدها بهذا الشكل المنهجي عواقبهما وخيمة على الثقافة السياسية برمتها، والقدرة على العيش المشترك

 

يقول التونسيون واصفين الشخص الذي لا يُنصت لغيره في مثل شعبي "يغنّي وجناحه يرد عليه". وهذا ينطبق على الرئيس سعيّد، يتكلم ليسمع صوته يتردّد في الآفاق. حالة اكتمال حقيقي وإشباع تغنيه عن غيره، فهم أتباع وحواريون يردّدون ما لديه من حكمة. وليس من الاعتباطي في شيء أن يخترع هؤلاء ما سمّوها حملات تفسيرية. يتحوّلون فيها إلى شرّاح يبسطون إلينا ما استعصى من أفكار، حتى نفهم، نحن العامّة، بعضاً مما كانت حكمته تقصد.

سحب الثقة وتبديدها بهذا الشكل المنهجي المدمّر لن تكون لهما عواقب وخيمة على التجربة الديمقراطية التي قد يتيح لها التاريخ مستقبلاً إمكانية التدارك والإصلاح، ولو طال الزمن، فحسب، بل عواقبهما الوخيمة أيضاً على الثقافة السياسية برمتها، والقدرة على العيش المشترك. لا يهدم الرئيس ما تسمى الأجسام الوسيطة: من أحزاب ونقابات وجمعيات وهيئات ومنتديات، لأنّها عاجزة عن تجسيد مثل الديمقراطية وإرادة الشعب، بل لأنّها فاسدة تحديداً. نخرها فساد النوايا وفساد المال وفساد الإرادة. هذه الخطايا والرذائل التي يجمعها الرئيس بجرة قلم، ويرمي بها على خصومه، حتى تغدو لهم لباسهم وجلدتهم الموبوءة هي التي تدمّر إمكانية بناء المشترك، ولو في حدّه الأدنى. ولا يحرص الرئيس على مجرد إنتاج حالة الفراغ من حوله، حتى يبدو الوحيد الجدير بالثقة، بل يحرص أيضاً على ابتكار أرض بور، يزرع فيها حقائقه النهائية التي تجسّد الفكر الجديد، كما يحرص دوماً على تذكيرنا بذلك.

تؤكّد التجارب العديدة أنّ فقدان الثقة بهذا الشكل، سواء في تاريخ البلاد والنخب والمؤسّسات والذاكرة، لا يلتهم الماضي فحسب، أي هذه "المنظومة" التي حكمت البلاد، ذلك أنّ مستقبل هذه الجماعة الوطنية سيظل مهدّداً حقيقة. حالة الرعب والهلوسة وافتقاد الحد الأدنى من اليقين ستؤدّي، لا محالة، إلى عنفٍ معمّم. فلنتخيل لو أننا فقدنا الثقة بالنخب والأمن والقضاء والجيش والمدرسة والإعلام والقانون، ما علينا إلّا أن نلزم بيوتنا أو نعد أكفاناً لبعضنا بعضاً، وقد غدا العيش المشترك مستحيلاً، بل جهنم مفتوحة على مصراعيها