تفاصيل الخبر

بوتين ماكرون .. ليست مجرّد طاولة غريبة؟

الصورة التي تركتها الطاولة التي جمعت الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره وضيفه الفرنسي، مانويل ماكرون، في الكرملين الاثنين الماضي، سوف تبقى ماثلة في الأذهان إلى أمد طويل، فقد اختار المضيف اللقاء بضيفه بهذه الطريقة، وعلى تلك هذه الطاولة، في ذروة أزمة غير مسبوقة، من شأنها أن تضع حدّا للتعايش السلمي بين الأقطاب الدولية، كما تُنذر بالعودة إلى أسوأ حقب الحرب الكونية الباردة.

 

تشي الطاولة البيضاوية المذهبة والعملاقة بأنها تنتمي، في طرازها وحجمها، إلى عهد القياصرة الروس، وهؤلاء هم أقرب إلى أباطرة يحملون إرثا سياسيا لإمبراطوريات غابرة رومانية ونمسوية، وصولا إلى القياصرة الروس. ويستحوذ هؤلاء على مخيلة الرئيس بوتين، حيث تقترن العظمة والمجد القوميان بالأبهة والفخامة والعراقة، فيما يقترن الاتحاد السوفييتي ورموزه بالقوة العسكرية والاستخباراتية، وبجمع العهدين معا في تاريخٍ زمني متصل، على الرغم من كل الفوارق بينهما، وجمعهما في روسيا الموحدة (حزب الرئيس دائم النجاح في كل انتخابات)، فإن بوتين يسعى إلى (ويعمل على) تظهير صورته وتكريسها باعتباره قيصراً سوفييتيا. وينبئ استخدام هذه الطاولة لجمع الرئيسين بأنها لم تكن موضع تداول بين القائمين على البروتوكول لدى الجانبين، وإلا لكان فريق ماكرون أحاطه بالأمر مسبقا، ولكان قد تساءل إن كان الصوت سوف يكون مسموعا بدون الحاجة لرفعه بصورة غير عادية، علما أن طولها يتفق مع ميل روسي إلى الأحجام الكبيرة في الصناعات والأدوات، مقابل الأحجام المتوسّطة في أوروبا، والصغيرة في اليابان والصين، على أن الطاولة هنا كانت توحي، بالفعل، بأن ثمّة ما ينقصها، وهو جهاز مايكروفون أمام الرجلين، كما يحدث في الملتقيات التي يتخذ فيها المشاركون مواضع بعيدة عن بعضهم بعضا. ويبدو أنه قد تم أخذ احتياطات لضمان وصول الصوت، في اللقاء الذي استغرق خمس ساعات، وهو وقت طويل وغير معهود لدى كل من الرجلين، وكان يتخصص فيه الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد مع بعض ضيوفه، وكان منهم هنري كيسنجر ومحمد حسنين هيكل، حيث كان يستخدم إطالة الوقت وسيلةً للضغط الذهني وتشتيت الأذهان. وعقب لقاء الطاولة، جرى عقد مؤتمر صحافي مشترك، كان التباعد فيه بين بوتين وماكرون أقلّ من ذلك الذي كان يفرضه الجلوس على طرفي الطاولة، إلا أن بوتين "عوّض" ذلك عقب انتهاء المؤتمر الصحافي بالخروج قبل ضيفه، منفصلاً ومتقدماً عنه بنحو سبعة أمتار أو ثمانية، بدلا ًمن المشي معا.

 

يعمل بوتين على تظهير صورته وتكريسها باعتباره قيصراً سوفييتيا

 

وللمفارقة، فإن الرئيس ماكرون يقود مع ألمانيا الاتجاه الداعي، بصورة ثابتة وحثيثة، إلى الحوار سبيلا وحيدا (من دون أن يرمي أحد الرئيس جو بايدن مثلاً بأنه ذو نزعة حربية) لحل الأزمة بشأن أوكرانيا وبين روسيا والغرب (يشمل اليابان وأستراليا وكندا وكوريا الجنوبية). وقد جمعته ببوتين لقاءات عديدة ذات طابع ودي على مدى السنوات الأربع الماضية. وكان الظن أن مضيفه لن يضعه في موقع بعيد إلى هذه الدرجة غير المألوفة. وقد تم استثمار الحاجة الوقائية إلى التباعد في ظل جائحة كورونا إلى الحد الأقصى، فتكفلت المسافة الطويلة بين الرجلين بطرح الحاجة إلى استخدام الكمامات جانباً، فيما ظل اللقاء حول هذه الطاولة يدلل على التباعدين، السياسي والنفسي مع الغرب، بما في ذلك مع فرنسا، فالرئيس الروسي مولع بإعطاء إشارات رمزية وبث رسائل ضمنية لدى استقبال بعض كبار ضيوفه الرسميين، فقد عمد إلى تأخير موعد استقباله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في 12 مارس/ آذار 2020، ومعه مسؤولون أتراك كبار بينهم آنذاك وزير الدفاع، خلوصي أكار، فاضطروا للوقوف في قاعةٍ تحمل صورة القيصر روسوف الذي يصنّف أنه هزم العثمانيين في البلقان. وكان رد أردوغان بعدئذ ذكيا، عندما وجّه سهام النقد إلى وسائل إعلام روسية، بعضها رسمي، حرصت على بثّ هذه اللقطة مرارا وتكرارا. وقال الرئيس التركي إنه لن تجري التضحية بالعلاقات المهمة بين البلدين جراء هذه الحادثة، فيما لاحظ وزير الخارجية، جاووش أوغلو، باستياء، بأن وسائل الإعلام الروسية تسارع إلى بث دعاية سوداء لدى وقوع أدنى اختلاف بين البلدين.

 

وحدث شيء مشابه، في وقت سابق، لدى استقبال بوتين المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في العام 2007 في منزله في مدينة سوتشي، حيث جرى إدخال كلب ضخم أسود اللون إلى مكان الاجتماع، علما أن ميركل تخشى الكلاب، إذ سبق أن هاجمها كلب في العام 1995، ما ترك في نفسها ذكرى صعبة، وحيث بدت غير مرتاحة بوجود هذا الحيوان الأليف. ولاحقاً، قال بوتين إنه لم يقصد إخافتها، بل إضافة عنصر جميل الى اللقاء.. ما يثر التساؤل إن كانت الاستخبارات الروسية لم تُحِط الرئيس بتحسّس ميركل من الكلاب. وميركل التي كانت آنذاك في العام الثاني لولايتها، شأنها شأن ماكرون من الزعماء الأوروبيين المقرّبين إلى بوتين، مقارنة بسواهما من قادة "القارّة العجوز". ومع ذلك، يتلقون منه مؤشّرات ذات دلالة سلبية. وهو ما يعكس بعض السمات السياسية للرجل، القائمة على التحدّي واستعراض المكانة والإيحاء بأن روسيا ليست متكافئة مع الغرب فحسب، بل تفوقه أهمية ووزنا إستراتيجياً. وقد قال شيئا من ذلك، في أعقاب لقائه بماكرون، بإشارته إلى إمكانية استخدام بلاده السلاح النووي، وبما لا يترك مجالاً للرد كما قال، متجاهلاً أن فرنسا وبريطانيا عضوان في النادي النووي، وتمتلكان ما تحوزه بلاده، علاوة على أميركا التي ما زالت متفوّقةً على غيرها في سائر الأسلحة النووية والأكثر تطوراً.

 

تتفق طاولة محادثات بوتين ماكرون مع ميل روسي إلى الأحجام الكبيرة في الصناعات والأدوات، مقابل الأحجام المتوسّطة في أوروبا، والصغيرة في اليابان والصين

 

على أن تكرار بث الإشارات والرسائل التي يلجأ إليها الرئيس بوتين لدى استقباله نظراءه يضفي طابعا يشخصن هذه المناسبات المهمة، ويمنحها لوناً ذاتيا في غير مكانه وزمانه، وبما ينزع عن السياسة طابعها وفحواها الموضوعيين، ما يسمو على شخوص الزعماء، أيا كانت مكانتهم، فمثل هذه المناسبات إنما تنتظم، في مبتدئها وغايتها، في إطار الحوار بين دول وشعوب، وتحت مظلة مواثيق دولية جامعة، وليس بين أشخاص.. وخلافاً لما كانت تدور عليه السياسة المُشخصنة، والمُختزلة في شخوص القادة الحاكمين بأمرهم، في قرون سابقة.

 

ويستحق التشديد دائما أن الدول تتنافس، منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى أيام الناس هذه، في الميادين والمجالات كافة، ومنها العسكرية والتسليحية، غير أن روسيا البوتينية تولي التنافس، بل التسابق، العسكري، أهمية قصوى وشبه أحادية، بالتقليل الضمني من شأن الإنجازات المدنية وذات الأغراض السلمية، وهو نهج دأبت عليه دول مثل إيران وكوريا الشمالية التي ترى أن نهضة الأمم وتقدّم الدول منوطان، أولاً وعاشراً، بالتفوق العسكري دون سواه، خلافاً للصين التي ترى أن النفوذ الدولي مرهون بتقدّم الاقتصاد والتطور التكنولوجي، بما ينعكس، في نهاية المطاف، على الميزان العسكري. ويتجاهل بوتين أن القوة العسكرية لم تحم الاتحاد السوفييتي من الانهيار تحت ضغط الرفض الشعبي للنظام الشمولي وحكم الحزب الواحد الذي يحتكر الصواب السياسي (وكل صواب آخر) بصورة مطلقة. ومن الغريب أن تعود القيادة الروسية إلى الأخذ بهذا المنطق الأحادي، بعد أزيد من ثلاثة عقود على انهيار الإمبراطورية الحمراء