تفاصيل الخبر

في تفكيك "من اشتدّت وطأته وجبت طاعته"؟

من مقولاتٍ يجب التوقف عندها تلك التي ذاعت وانتشرت في جنبات كتابات ليست باليسيرة، تنتمي إلى دائرة التراث السياسي الإسلامي، وهي "من اشتدّت وطأته وجبت طاعته". وقد وجدت صدىً لها في مدارس فكرية وفقهية تبنّتها ضمن الأبواب المعتبرة لديها في "وجوب طاعة الإمام"، بل إن بعضهم قد تناولها ضمن أبواب فقهية تتعلق بالبغاة وضرورة الوقوف في مواجهتهم. تستند هذه المقولة، في ظاهرها، إلى نظرية الطاعة في الفكر السياسي الإسلامي، وهو أمر حرّي، ونحن نراجع تلك المقولات وما شابهها، أن نشرع في تفكيك مفرداتها التي تتعلق بممارسات تعدّدت، وفي فتراتٍ امتدّت، سادها فكر التغلب الذي وجد عند كثير من الفقهاء قبولًا بالأمر الواقع وتمريرًا له، والذي ما فتئ، بمرور الزمن، أن صارت تلك الممارسة المتعلقة بالتغلب قاعدة لا استثناء.

 

أخطر ما في المسألة أن تختل معادلة الحكم، فترتبط بالعسف والقوة وممارسة القهر والغلبة بما يسمّى "اشتداد الوطأة"، ونقل هذه المسألة إلى وجوب الطاعة في كل الأحوال، وفق فهم معين لها مع حديثٍ لا ينقطع عن وحدة الأمة واتقاء فرقتها ومواجهة الفتنة التي تطل برأسها، والحفاظ على الجماعة في كيانها ومواجهة العدو الخارجي كائنًا أو محتملًا. وبات هذا الفهم يروج وكأنه رأي الفقه والسياسة الشرعية ورأي الجمهور والاجتماع عليه، فضلا عن نسبته إلى مدارس فقهية، مثل المدرسة المالكية؛ والتي لم يتطرّق من توصل إلى تلك النتيجة إلى مجمل الأفكار السياسية للإمام مالك ومدرسته الفقهية.

 

وجوهر الإشكال والمسألة هو في تفكيك مفهوم الطاعة، ذلك أن التلبيس الذي طاول هذا المفهوم وضغوط الواقع الذي أحاطت به، وحال التغلب في التاريخ التي تمكنت واستقرّت؛ ذلك كله أسهم في ترويج فهم نراه خاطئًا عن طاعة أولي الأمر، على الرغم من أن هذا المفهوم لم يكن بأي حال من ضمن معانيه المختلفة أن يرتبط لزوما بالقهر والعسف أو بالغلبة والقوة، بل شكلت الطاعة، في الرؤية الإسلامية الأصيلة، جوهرًا يتعلق بالفكرة التعاقدية في تصوّر أصل السلطة وأولي الأمر كمؤسسة جمعية وجماعية؛ وبأنها تعبر عن حالة تعاقدية تقوم بالأساس على الرضا والاختيار، لا القهر والغلبة. ومن هنا، لا يجب النظر إلى تصوّر مفهوم الطاعة مستقلًا بحال عن أربعة مفاهيم أساسية، المرجعية والشرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والأداء السياسي المستوجب للطاعة، بما يؤكّد على حال الالتزام السياسي والامتثال الذي يشكل إطارًا تبادليًا في العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم. شكلت هذه المفاهيم الأربعة بحق رؤية لجوهر الطاعة والمعادلات الجوهرية التي تقوم عليها، فترتبط بأصل العدل وقيام السلطة بجوهر وظائفها الأساسية، وما يقتضيه ذلك من طاعة مشتقّة.

 

أخطر ما في المسألة أن تختل معادلة الحكم، فترتبط بالعسف والقوة وممارسة القهر والغلبة بما يسمّى "اشتداد الوطأة"

 

ومن ثم، فإن آية الطاعة الواردة في [سورة النساء:59] ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾ إنما أشارت إلى الأربعة مفاهيم التي سبقت، فالطاعة في هذا الاعتبار أصلية أصيلة، وفرعية مشتقة؛ أما الأصيلة فهي المحكومة بمرجعية التأسيس "أطيعوا الله" "وأطيعوا الرسول" في إطار من الارتباط الجوهري بين هذه الطاعة التأسيسية، أما "طاعة أولي الأمر" فإنها ترتبط من جانب بشرعية السلطة. يبدو ذلك مؤكدًا من المعنى الذي تستند فيه هذه الطاعة إلى الطاعة الأصلية، فتشكل أساسًا من أسس الشرعية لأي سلطة حاكمة. أما الفكرة التعاقدية فتبدو واضحة من الإشارة إلى تلك السلطة أن تكون "منكم" وليس "فيكم" أو "عليكم"، ليس فيكم بالشوكة، وليس عليكم بالاستعلاء والغلبة، وهذا تعبير عن جوهر التعاقدية والرضا والاختيار. أما الحقيقة التي تتعلق بتشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم مؤسّسة على تلك القواعد الثلاث، فإنها بحق تؤصل لمعاني الامتثال السياسي بالطاعة والالتزام السياسي بعقد البيعة، وبكل ما من شأنه ينهض بتلك السلطة للقيام بوظائفها الأساسية والجوهرية في تحقيق الأمن والعدل.

 

وفي الحقيقة، فإن تدبّر المعاني التي تتعلق بالطاعة تجعل من ذلك المبحث المهم المتعلق بالقيام بأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن التعبير عن سلطان الأمة في الشأنين، السياسي والعام، فيعبر بحق عن سلطان الأمة لا أمة السلطان؛ حيث يصادر معنى الأمة لمصلحة السلطان حتى لو كان جائرًا. ومن هنا، إنما ترتبط الطاعة الحقيقية بباب الخروج على السلطان (ولا نجد غضاضة فيه) ذلك أن هناك من حاولوا، حينما قامت الثورات العربية، على سبيل المثال، أن يخلعوا على تلك الثورات وصف البغي، أو وصف الفتنة في إطار استغلال الحمولة السلبية لمفهوم الطاعة للسلطة، والذي وجه إلى الرضا بالظلم والاستكانة لكل استبداد والوقوع في براثن الخضوع والاستعباد. وهنا، كان الذين استنكروا هذا الباب الذي يتعلق بالخروج على السلطان/ الحاكم الجائر ضمن هذه الرؤية من التبريرات والتمريرات لفهم معين للطاعة، والذي أهمل الجانب الآخر في فكرة الخروج، فإذا اهتم بعض الفقهاء بباب الخروج على الإمام واستنكفوا واستدركوا على من قال بإمكانية هذا الخروج، مهملين المعنى التعاقدي في جوهر الطاعة، كان عليهم كذلك الحديث، في الوقت ذاته، على مسألة مقترنة بـ"خروج الإمام وصاحب السلطة على الأمة"، وهي أمورٌ غاية في الأهمية في تصور السلطة التأسيسي وضرورتها، وتصوّر شرعيتها المتعلق بالرضا والإنجاز.

 

 لا يجب النظر إلى تصور مفهوم الطاعة مستقلًا عن المرجعية والشرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والأداء السياسي المستوجب للطاعة

 

أنجز الباحث الجاد، هاني المغلّس، دراسة مهمة في تفكيك مفهوم "الطاعة السياسية في الفكر السياسي الإسلامي: النص والاجتهاد والممارسة"، متتبعا المفهوم في الأصول والتراث بمداخل منهاجية رصينة، لتفكيك هذه المقولة وكشف الالتباس الذي طرأ على مفهوم الطاعة في المرجعية، وهو أمر يجب التوقف عنده ملِيّا في خاتمة دراسته ".. فإن تلك المفاهيم ذات الأصل القرآني تكون عرضة لكثير من التطورات، فالممارسات البشرية المحاطة بجملة من العناصر المتداخلة والظروف والملابسات المعقدة تضفي على المفاهيم ظلال التجربة البشرية وتخضعها لمقتضياتها في كثير من الأحيان (الحمولة السلبية للمفهوم)، وقد يصل الأمر إلى حدوث بعض التغييرات في المحتوى التعريفي لتلك المفاهيم تعبيرًا عن الاستجابة الإرادية لمتغيرات الواقع". ويعد مفهوم الطاعة السياسية نموذجًا في هذا المقام، فإن شأن تحديداته القرآنية، وعلى عهد الخلافة الراشدة، قد لحقتها تطوّرات جوهرية، من جرّاء ممارسات منظومة الحكم السياسي منذ العهد الأموي، وهو ما أدّى إلى إنتاج صيغ تاريخية لربط المفهوم بحركة الواقع، ولكنه مع الأسف كان خارج إطار المحتوى القرآني والدلالات الأصلية للمفهوم، فبات مفهوم الطاعة مرتبطًا بحمولاتٍ سلبية، مثل "طاعة المتغلب" و"طاعة الفاسق" و"طاعة الجائر". وبدا القول الشائع الذي ذاع "من اشتدت وطأته وجبت طاعته" يغلف ذلك كله.

 

وغاية الأمر، إن تعرّض مفهوم الطاعة السياسية لقراءات تأويلية كثيرة على امتداد الممارسة التاريخية الإسلامية، بغرض جعله مستوعبًا لمتغيرات الواقع السياسي قد أدّى إلى إفقاد المفهوم بعض خصائصه القرآنية لصالح هذا المحتوى التاريخي، وهو أمر دفع المغلّس إلى اقتراح توجيه مزيد من الجهود البحثية إلى مضمار البحث التراثي التأصيلي، والاعتناء بالبحث التطوري للمفاهيم السياسية، بهدف استعادة الجوهر الأصيل والهوية الشرعية لتلك المفاهيم كما تحدّدها النصوص المرجعية